بصفتي صحفية، كثيرًا ما أطرح على نفسي سؤالًا جوهريًا: هل ينقل الإعلام الحقيقة كاملة؟ والإجابة، في رأيي، ليست بنعم مطلقة ولا بلا قاطعة، بل تقع في منطقة رمادية معقدة تتداخل فيها المهنية مع المصالح، والموضوعية مع التوجهات.
من حيث المبدأ، يفترض أن يكون الإعلام ناقلًا أمينًا للواقع، يسعى إلى تقديم المعلومة كما هي، دون تزييف أو اجتزاء. لكن الواقع العملي يختلف؛ فالأخبار لا تُقدَّم دائمًا كاملة، بل تُختار زوايا محددة للطرح، وتُبرز جوانب دون غيرها، أحيانًا بدافع السرعة، وأحيانًا بسبب السياسة التحريرية للمؤسسة الإعلامية، وأحيانًا أخرى نتيجة ضغوط اقتصادية أو سياسية مباشرة وغير مباشرة.
كما أن مفهوم “الحقيقة” ذاته ليس بسيطًا. فهناك فرق بين نقل الحدث وتفسيره. الحدث قد يكون واحدًا، لكن طريقة صياغته، والعناوين المصاحبة له، والصور المستخدمة، وحتى ترتيب المعلومات، كلها عناصر قادرة على توجيه فهم المتلقي نحو استنتاج معين. وهنا لا يكون التضليل دائمًا كذبًا صريحًا، بل قد يكون انتقائية ذكية للمعلومات.
ولا يمكن إنكار أن بعض وسائل الإعلام تؤدي دورها المهني بجدية عالية، وتبذل جهدًا حقيقيًا في التحقق من المصادر، وتقديم روايات متعددة، وإتاحة مساحة للرأي والرأي الآخر. في المقابل، هناك منصات أخرى تقع في فخ الإثارة، وتسعى وراء نسب المشاهدة والتفاعل على حساب العمق والدقة، ما يؤدي إلى تبسيط مخلّ أو تشويه غير مقصود للواقع.
من وجهة نظري، المسؤولية لا تقع على الإعلام وحده، بل على الصحفي أيضًا كفرد، وعلى المتلقي كذلك. الصحفي مطالب بالالتزام بأخلاقيات المهنة، والتحقق المستمر، وطرح الأسئلة الصعبة، لا الاكتفاء بنقل الرواية الأسهل. أما الجمهور، فعليه ألا يستهلك الأخبار بشكل سلبي، بل أن يقارن بين المصادر، ويفصل بين الخبر والرأي، ويدرك أن الحقيقة الكاملة نادرًا ما توجد في مصدر واحد.
في النهاية، الإعلام لا ينقل الحقيقة كاملة دائمًا، لكنه يملك القدرة على الاقتراب منها بقدر ما يلتزم بالمسؤولية والشفافية. وبين إعلام واعٍ وجمهور ناقد، يمكن للحقيقة أن تجد طريقها، ولو جزئيًا، إلى النور